دعوة إلى التخصص العلمي
لعقود طويلة من الممارسة العلمية و المهنية، اعتاد محامو سورية الممارسة العامة و الفردية لجميع اختصاصات العلوم القانونية، و اعتبر ذلك لفترة طويلة من فضائل المحامي السوري.
فالمحامي السوري يمكنه تقديم الاستشارات حول الشؤون القانونية الشرعية و المدنية و التجارية بكل فروعها المعقدة إضافة إلى البيوع الالكترونية، كما بإمكانه أن يرافع في الدعاوى الجزائية و الإدارية و يقدم في بعض الأحيان الاستشارات المالية... و كل ذلك مبني على خليط من خبرة مكتسبة و قليل من الاطلاع العلمي و كثير من السؤال.
و رغم تغير الحال و تعقد مسائل القانون و اتساع مساحة العمل القانوني، فإن المحامي السوري ظل يقدم كل الخدمات التي ذكرناها و التي لم نذكرها في آن معاً.
في أوروبا و أمريكا، بل و معظم دول العالم، اعترف المحامون باستحالة العمل في أكثر من اختصاص قانوني في آن واحد بسبب حجم المعلومات الهائل و التفاصيل التي يتوجب على المحامي إداركها لتجنب أي عثرات قانونية قد تضيع حقوق موكليه، و نتيجةً لذلك فقد تخصص المحامون كل في مجال ضيق و تخصصت المؤسسات القانونية أيضاً في مجالات قانونية بعينها دون غيرها، بل تم تقسيم المحامين على مراتب و مستويات و وظائف بحيث ينهض كل محام بمهمة معينة دون غيرها بحسب مرتبته و خبرته و قدرته. فمحام يراجع الوثائق و الملفات و يحضر الملف و آخر يدقق و يضع الملاحظات و الدراسات و ثالث يرافع في الدعاوى و القضايا التي تقع ضمن اختصاصه القانوني و هكذا...
و تبقى التساؤلات العملية: كيف يختار المحامي اختصاصه؟ و كيف يكتسب المعرفة الاختصاصية؟ و كيف يتابع التطورات العلمية ضمن مجال اختصاصه؟
إن اختيار الاختصاص المناسب يتبع لعدد من المعايير أولها الرغبة الشخصية و الميل العلمي، فالاختصاصات القانونية عند تطبيقها على الممارسة الفعلية تتطلب مهارات محددة، فالمحامي الدارس لا يحتاج إلى قدرة على التفاوض و الإقناع بينما يحتاج المحامي المرافع إلى هذه المهارات، و المحامي ذو الاختصاص التجاري سيحتاج حتماً إلى معرفة وثيقة بالممارسات التجارية العملية بينما يحتاج المحامي ذو الاختصاص الشرعي إلى معرفة وثيقة بالأحكام الشرعية على المذاهب المختلفة...
أما المعيار الثاني فهو نوعية الموكلين و بعبارة أخرى الطلب، على افتراض أن مبدأ العرض و الطلب يسري على عمل المحاماة أيضاً.
و يكتسب المحامي المعرفة الاختصاصية بالتوسع الطوعي في الاطلاع العلمي على المراجع القانونية المختلفة، و يقوده ذلك إلى مراجعة المكتبات العلمية و القانونية و حضور المحاضرات المختلفة و المؤتمرات ضمن مجاله و تدوين المعلومات التي حصل عليها و التفكر فيها و الاطلاع على البيانات ذات الصلة و الاشتراك في المجلات العلمية التي تقدم معلومات مهمة ضمن مجال الاختصاص.
إن الاعتماد على الممارسة الحقوقية لاكتساب المعرفة و سؤال المختصين من أهل العلم و الخبرة ليس كافياً على الرغم من أهميته بسبب وجود معلومات تفصيلية كثيرة لا يمكن الحصول عليها بالخبرة و الممارسة و السؤال، و خشية تكرر الأخطاء و صيرورة المهنة العلمية ممارسة مهنية محضة مما يخرجها عن وصفها الحقيقي و يدني من مستواها الاجتماعي و قدرها العلمي.
و يمكن للمحامي المختص أن يتابع تحصيله العلمي التخصصي بأساليب مختلفة: فيمكن له أن يتبع الدورات الداخلية و الخارجية حول موضوع الاختصاص، كما يمكن له أن يتابع تحصيله العلمي بالمراسلة، و يمكن له متابعة كل النشرات الدورية العلمية حول موضوع الاختصاص و الاشتراك في الإنترنت على المواقع الاختصاصية للحصول على أحدث المعلومات...
إن للتخصص العلمي القانوني فوائد جمة يجنيها المحامي الساعي إليها، و إن أهمها ما ينعكس على المحامي نفسه و الذي سيشعر بمقدار أكبر بكثير من الثقة في عمله و علمه و الاستشارات التي يقدمها، و منها ما ينعكس إيجاباً على قضايا الموكلين و مشاكلهم و بالتالي فإنه سيزيد من مصداقية المحامي السوري في المجتمع ليترفع عن مقارنته بأصحاب المهن الإدارية المحضة التي يقتصر دور العلم فيها على الخبرة المهنية فحسب.
إن التخصص قد بلغ في الغرب مبلغاً عظيماً ووصلت بعض التخصصات إلى فروع ضيقة للغاية بما يدفع إلى العجب، و يبرر ذلك المبالغ المالية الهائلة التي قد تكون على المحك نتيجة أي خلاف مع طرف آخر ضمن موضوع خلافي فني أو طبي أو معلوماتي ... متخصص لغاية بطبيعته. و يتقاضى المحامون المشهورون بتخصصاتهم النادرة مبالغ فلكية تصل إلى 20000 دولار أمريكي لساعة العمل الواحدة.
لعمري هذا تقدير للعلم القانوني ليس بعده تقدير، و جدير بنا أن ننهض بهذه المهنة العلمية إلى أسمى و أعلى المراتب، و أن نعيد بناء الثقة بالمحامي السوري و بمهنة المحاماة النبيلة العلمية.
و لا بد أن نذكر أخيراً بالحكمة القائلة : " نصف العلم لا أدري".